فخر الدين الرازي

581

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

الآية . قوله : لم قلتم إن قوله : ما دُونَ ذلِكَ * يفيد العموم ؟ قلنا : لأن قوله : « ما » تفيد الإشارة إلى الماهية الموصوفة بأنها دون الشرك ، وهذه الماهية واحدة ، وقد حكم قطعاً بأنه يغفرها ، ففي كل صورة تتحقق فيها هذه الماهية وجب تحقق الغفران ، فثبت أنه للعموم ولأنه يصح استثناء أي معصية كانت منها وعند الوعيدية صحة الاستثناء تدل على العموم ، أما قوله : آيات الوعيد أخص من هذه الآية ، قلنا : لكن هذه الآية أخص منها لأنها تفيد العفو عن البعض دون البعض / وما ذكرتموه يفيد الوعيد للكل ، ولأن ترجيح آيات العفو أولى لكثرة ما جاء في القرآن والأخبار من الترغيب في العفو . الحجة الخامسة : أن نتمسك بعمومات الوعد وهي كثيرة في القرآن ، ثم نقول : لما وقع التعارض فلا بد من الترجيح أو من التوفيق ، والترجيح معناه من وجوه . أحدها : أن عمومات الوعد أكثر والترجيح بكثرة الأدلة أمر معتبر في الشرع ، وقد دللنا على صحته في أصول الفقه ، وثانيها : أن قوله تعالى : إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ [ هود : 114 ] يدل على أن الحسنة إنما كانت مذهبة للسيئة لكونها حسنة على ما ثبت في أصول الفقه ، فوجب بحكم هذا الإيماء أن تكون كل حسنة مذهبة لكل سيئة ترك العمل به في حق الحسنات الصادرة من الكفار ، فإنها لا تذهب سيئاتهم فيبقى معمولًا به في الباقي . وثالثها : قوله تعالى : مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها [ الأنعام : 160 ] ، ثم إنه تعالى زاد على العشرة فقال : كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ ثم زاد عليه فقال : وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ [ البقرة : 261 ] وأما في جانب السيئة فقال : وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها ، وهذا في غاية الدلالة على أن جانب الحسنة راجع عند اللّه تعالى على جانب السيئة . ورابعها : أنه تعالى قال في آية الوعد في سورة النساء : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا [ النساء : 122 ] فقوله : وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إنما ذكره للتأكيد ولم يقل في شيء من المواضع وعيد اللّه حقاً . أما قوله تعالى : ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ [ ق : 29 ] الآية ، يتناول الوعد والوعيد . وخامسها : قوله تعالى : وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً ، وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً [ النساء : 110 - 111 ] والاستغفار طلب المغفرة وهو غير التوبة ، فصرح هاهنا بأنه سواء تاب أو لم يتب فإذا استغفر غفر اللّه له ، ولم يقل ومن يكسب إثماً فإنه يجد اللّه معذباً معاقباً ، بل قال : فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ فدل هذا على أن جانب الحسنة راجح ونظيره قوله تعالى : إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها [ الإسراء : 7 ] ولم يقل : وإن أسأتم أسأتم لها فكأنها تعالى أظهر إحسانه بأن أعاده مرتين وستر عليه إساءته بأن لم يذكرها إلا مرة واحدة ، وكل ذلك يدل على أن جانب الحسنة راجح . وسادسها : أنا قد دللنا على أن قوله تعالى : وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ * [ النساء : 48 ] لا يتناول إلا العفو عن صاحب الكبيرة ثم إنه تعالى أعاد هذه الآية في السورة الواحدة مرتين والإعادة لا تحسن إلا للتأكيد ، ولم يذكر شيئاً من آيات الوعيد على وجه الإعادة بلفظ واحد ، لا في سورة واحدة ولا في سورتين ، فدل على أن عناية اللّه بجانب الوعد على الحسنات والعفو عن السيئات أتم . وسابعها : أن عمومات الوعد والوعيد لما تعارضت فلا بد من صرف التأويل إلى أحد الجانبين وصرف التأويل إلى الوعيد أحسن من صرفه إلى الوعد لأن العفو عن